الآلوسي
57
تفسير الآلوسي
بها في الآيات وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع ، وقدم السمع لكثرة منافعه ، وأفرد لأنه مصدر في الأصل ولم يجمعه الفصحاء في الأكثر ، وقيل : أفرد لأنه يدرك به نوع واحد من المدركات وهو الأصوات بخلاف البصر فإنه يدرك به الأضواء والألوان والأكوان والأشكال وبخلاف الفؤاد فإنه يدرك به أنواع شتى من التصورات والتصديقات . وفي الآية إشارة إلى الدليل الحسي والعقلي ، وتقديم ما يشير إلى الأول قد تقدم فتذكر فما في العهد من قدم * ( قليلاً مَّا تَشْكُرُونَ ) * أي شكراً قليلاً تشكرون تلك النعم الجليلة لأن العمدة في الشكر صرف تلك القوى التي هي في أنفسها نعم باهرة إلى ما خلقت هي له فنصب * ( قليلاً ) * على أنه صفة مصدر محذوف ، والقلة على ظاهره بناء على أن الخطاب للناس بتغليب المؤمنين ، وجوز أن تكون بمعنى النفي بناء على أن الخطاب للمشركين على سبيل الالتفات ، وقيل : هو للمؤمنين خاصة وليس بشيء ، والأولى عندي كونه للمشركين خاصة مع جواز كون القلة على ظاهرها كما لا يخفى على المتدبر ؛ و * ( ما ) * علا سائر الأقوال مزيدة للتأكيدة . * ( وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الاَْرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) * . * ( وَهُوَ الَّذي ذَرَأَكُمْ في الأَرْض ) * أي خلقكم وبثكم فيها * ( وَإلَيْه تُحْشَرُونَ ) * أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم لا إلى غيره تعالى فما لكم لا تؤمنون به سبحانه وتشكرونه عز وجل . * ( وَهُوَ الَّذِى يُحْاىِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافالَّيْلِ والنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) * . * ( وَهُوَ الَّذي يُحْيى وَيُمِيتُ ) * من غير أن يشاركه في ذلك شيء من الأشياء * ( وَلَهُ ) * تعالى شأنه خاصة * ( اخْتلاَفُ اللَّيْل وَالنَّهَار ) * أي هو سبحانه وتعالى المؤثر في اختلافهما أي تعاقبهما من قولهم : فلان يختلف إلى فلان أي يتردد عليه بالمجيء والذهاب أو تخالفهما زيادة ونقصاً ، وقيل : المعنى لأمره تعالى وقضائه سبحانه اختلافهما ففي الكلام مضاف مقدر ، واللام عليه يجوز أن تكون للتعليل * ( أَفَلاَ تَعْقُلُونَ ) * أي ألا تتفكرون فلا تعقلون أو أتتفكرون فلا تعقلون بالنظر والتأمل أن الكل صار منا وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات التي من جملتها البعث . وقرأ أبو عمرو في رواية * ( يعقلون ) * على أن الالتفات إلى الغيبة لحكاية سوء حال المخاطبين ، وقيل : على أن الخطاب الأول لتغليب المؤمنين وليس بذاك . * ( بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الاَْوَّلُونَ ) * . * ( بَلْ قَالُوا ) * عطف على مضمر يقتضيه المقام أي فلم يعقلوا بل قالوا : * ( مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ ) * أي آباؤهم ومن دان بدينهم من الكفرة المنكرين للبعث . * ( قَالُواْ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) * . * ( قَالُواْ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظَاماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) * تفسير لما قبله من المبهم وتفصيل لما فيه من الإجمال وقد مر الكلام فيه . * ( لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَاذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الاَْوَّلِينَ ) * . * ( لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَاذَا ) * البعث * ( مِنْ قَبْلُ ) * متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى المعطوف عليه والمعطوف على ما هو الظاهر ، وصح ذلك بالنسبة إليهم لأن الأنبياء المخبرين بالبعث كانوا يخبرون به بالنسبة إلى جميع من يموت ، ويجوز أن يكون متعلقاً به من حيث إسناده إلى آبائهم لا إليهم أي ووعد آباؤنا من قبل أو بمحذوف وقع حالاً من آبائنا أي كائنين من قبل * ( إنْ هَذَا ) * أي ما هذا * ( إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلينَ ) * أي أكاذيبهم التي سطروها جمع أسطورة كأحدوثة وأعجوبة وإلى هذا ذهب المبرد . وجماعة ، وقيل : جمع أسطار جمع سطر كفرس وأفراس ، والأول كما قال الزمخشري أوفق لأن جمع المفرد أولى وأقيس ولأن بنية أفعولة تجيء لما فيه التلهي فيكون حينئذ كأنه قيل مكتوبات لا طائل تحتها . * ( قُل لِّمَنِ الاَْرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . * ( قُلْ لمَنْ الأرْضُ وَمَن فيهَا ) * من المخلوقات تغليباً للعقلاء على غيرهم